مارتن لوثر كينغ بقلم: د. كوستي بندل

martin-luther-king-i-have-e-dream-300x259

هذا المقال يجمّع عناصر اقتبستها من كتاب: ” Martin Luther King, Combats pour laliberté“، وهو كتاب بالغ التشويق يسرد فيه مارتن لوثر كينغ أولى حملات نضاله اللاعنفي الذي واصله طيلة 13 سنة، أي حتى اغتياله في عام 1968. ومع السرد ومن خلاله يتطرق إلى مبادئ النضال اللاعنفي والى أساليبه التي تبلورت عبر ممارسة أثبتت فعاليتها المذهلة. الجزء الأكبر من هذه العناصر، وهو الأكثر تفصيلاً، يتناول ظروف انطلاق المقاطعة، وقد سجّلته في السبعينات ولم يُنشر قبل الآن. أما الثاني، وهو مختصر، فيروي سير العملية حتى اختتامها الظافر، وقد سبق نشره في كتابي “نضال عنفي أو لاعنفي؟ لإحقاق العدالة”، الصادر عن منشورات النور 1988، ص 206 – 209.

وقد خطر على بالي أن أجمع الجزئين وأنشرهما في مقال متكامل، عندما أعلنت وسائل الإعلام العالمية، في 25 تشرين الأول 2005، نبأ وفاة روزا باركس Rosa Parks، عن عمر بلغ 92 عاماً، وروزا باركس هي تلك الخياطة السوداء التي أدى تمرّدها الشجاع على نظام جائر، إلى انطلاق مقاطعة باصات مونتغومري، التي كانت فاتحة كفاح مارتن لوثر كينغ اللاعنفي من أجل منح السود في الولايات المتحدة حقوقهم المدنية السليبة. لذا سماها الأميركيون بحق “أم الحقوق المدنية”.

رجائي أن يساعد هذا المقال على استرجاع ذكرى صفحة رائعة من صفحات نضال وضع أسسه المهاتما غاندي، وهو يجمع شرف الهدف ونبل الوسيلة وفاعلية الأثر.

مقدمة الكتاب:

في مقدمة هذا الكتاب، يقول المؤلف انه يروي فيه الأحداث التي حوّلت، خلال بضع سنوات، مدينة صغيرة من مدن جنوب الولايات المتحدة الأميركية، ألا وهي مونتغومري، في ولاية ألاباما. ويوضح أنه يروي تلك الأحداث من منظاره الشخصي، ولذا اضطر أن يستعمل صيغة المتكلم، مع أن الموضوع، كما يقول، موضوع جماعي، كونه، حسب تعبيره، “مغامرة خمسين ألف أسود أميركي تبنوا مبادئ اللاعنف فتعلموا أن يناضلوا من أجل حقوقهم بأسلحة المحبة، وبذلك استعادوا اكتشاف قيمتهم ككائنات بشرية” (ص 5). إنها قصة قادة سود ينتمون إلى مذاهب وإيديولوجيات مختلفة، جمعتهم قضية كانوا يعرفونها عادلة، كما إنها قصة الذين تبعوهم والذي فضّلوا – رغم كون الكثيرون منهم مسنّين – أن يقطعوا كل يوم مسافة 17 كيلومتراً، طيلة أكثر من سنة، مشياً على الأقدام، في ذهابهم إلى عملهم وإيابهم منه، على أن يقبلوا الإهانة والإذلال الناتجين عن التفريق العنصري في الباصات، وقد أدركوا المعنى العميق لعملهم هذا، مما جعل عجوزاً منهم تجيب الذين سألوها إذا كانت لم تتعب بعد عدة أسابيع من المشي، بقولها: “إن قدميّ قد تعبا، ولكن نفسي مرتاحة”. (ص 6).

تلك القصة، كما يشير المؤلف، تتعدى نطاق مدينة معيّنة، إنها حلقة من حلقات نضال السود الأميركيين اللاعنفي من أجل حقوقهم كبشر ومواطنين.

1- نشأة مارتن لوثر كينغ في الجنوب العنصري

في الفصل الأول من كتابه، يروي لنا المؤلف الظروف التي قادته إلى الإقامة في مونتغومري، تلك المدينة العريقة بمواقفها العنصرية إذ عُرفت تاريخياً على أنها مهد اتحاد الولايات الجنوبية التي أعلنت عام 1861 الانشقاق عن الولايات الشمالية بسبب إعلان أبراهام لنكولن تحرير العبيد.

نشأ مارتن لوثر كينغ في مدينة أطلانطا، في ولاية جاورجيا الجنوبية، وعانى فيها منذ طفولته من التفريق العنصري في المدارس والعيادات والمطاعم والمسارح ودور السينما والمساكن وسُبل المياه ووسائل النقل وقاعات الانتظار والمراحيض. وكان والده قسيساً لرعية معمدانية من أربعة آلاف نسمة، وقد رفض طيلة حياته التفريق العنصري وناضل ضده، وقد أخذ ولده عنه ذلك الموقف بالذات.

2– عودته إلى الجنوب بعد انتهاء دراسته (1954)

تابع مارتن لوثر كينغ دراسته في جامعة بوسطن وكان على وشك الحصول على شهادة الدكتوراه في الفلسفة. بقي عليه فقط أن يكتب أطروحته. كان متردداً بين القسوسية والتعليم. وقد طرحت عليه عروض مغرية في المجالين. فكانت رعيتان، إحداهما في ولاية ماساشوستس والثانية في نيويورك، ترغبان به راعياً لهما، كما أن ثلاث جامعات في الشمال قد عرضت عليه إحداها مركز أستاذ والثانية مركز عميد والثالثة مركزاً إدارياً.

في هذه الأثناء أعلمته رعية بشارع دكستر في مونتغومري أن مركز الراعي قد اصبح فيها شاغراً وأنها ترجوه أن يأتي ويلقي عظة فيها، وبالفعل أتى وألقى هذه العظة التي صادفت تجاوباً من السامعين. وعلى إثرها عُرض عليه أن يرعى تلك الرعية. فبحث في الأمر مع زوجته كورتا التي كان قد تزوج منها قبل ذلك بعام بعد أن تعرّف عليها في بوسطن عندما كانت تتخصص بالغناء في الكونسرفاتوار. تدارس الزوجان الأمر معاً وصلّيا. كان يصعب عليهما أن يعودا إلى الجنوب العنصري وأن يعيشا مجدداً في الجو المؤلم الذي عانيا منه في طفولتهما وشبابهما، بينما كانت تتفتح أمامهما مجالات عمل مغرية في الشمال حيث التفريق العنصري أقل حدّة. ولكنهما توصلا إلى القناعة بأن واجباً يترتب عليهما بأن يعودا إلى مسقط رأسهما بعد أن نعما بالدراسة في مناطق أكثر تحرراً وأن يساهما بواسطة ما أنشآه من علاقات وما حصلا عليه من خبرة، في إزالة التمييز العنصري الذي تألما منه.

بناءً عليه قرّر مارتن لوثر كينغ أن يقبل بعرض رعية شارع دكستر لبضع سنوات. فاستلم مسؤوليته في أيار 1954، ومارسها أولاً بشكل متقطع إلى أن أنهى أطروحته. بعد ذلك تسلّمها بشكل كامل ابتداءً من أول أيلول 1954. كان له آنذاك من العمر 25 عاماً.

3– وضع مونتغومري قبل حركة النضال اللاعنفي

يصف لنا الكاتب وضع مونتغومري على الصعيد الاجتماعي عندما بدأ يمارس فيها عمله الرعائي.

أ – التفريق العنصري:

فيصوّر لنا الهوّة التي كانت تفصل بين البيض والسود في المجال الاقتصادي. ففي سنة 1950 كان معدل دخل السكان البيض في مونتغومري (وعددهم 70 ألفاً)، 1730 دولاراً سنوياً. بينما معدّل دخل السكان السود (وعددهم 50 ألفاً) لم يكن يتجاوز 970 دولاراً. وكانت كل من الجماعتين البيضاء والسوداء منطوية على نفسها. فلكلّ منهما مدارسها الخاصة بها، رغم قرار المحكمة العليا للولايات المتحدة التي كانت قد منعت التمييز العنصري في المدارس. كانت هناك شركات تاكسي تقلّ البيض فقط وشركة تاكسي خاصة بالسود. أما الباصات فكان يصعد إليها البيض من الأمام والسود من الوراء، وتشغل كل من الفئتين نصف الحافلة دون أن يُسمح بأي اختلاط بينهما. ولم تكن هناك منظمات مهنية تجمع العنصرين على صعيد محليّ. حتى رجال الدين لم يكن بوسعهم أن يلتقي البيض منهم بالسود في إطار منظمة رسميّة.

ب– حرمان السود من حقهم في الانتخاب

وكانت ضغوط قانونية وإدارية تمارس على السود لحرمانهم أكثر ما يمكن من حقّهم في الانتخاب، وذلك بإقامة حواجز هائلة دون ممارستهم هذا الحقّ، لحملهم على التخلّي عنه. فقد كان على الأسود أن يسجّل اسمه على اللوائح الانتخابية ليتسنى له ممارسة حقه في الانتخاب، إلاّ أن شرائع ولاية آلاباما كانت تمنح صلاحيات مطلقة لموظفي مكاتب التسجيل، فكنت ترى في تلك المكاتب شباكين، أحدهما للبيض والآخر للسود. فالموظفون المكلفون بتسجيل السود كانوا يتعمّدون البطء في التعامل إلى حدّ أنه، إذا تقدّم خمسون أسوَداً في الصباح لم يكن يسجّل منهم سوى خمسة عشر حتى آخر النهار. بالإضافة إلى ذلك، كان على كل ناخب أن يملأ استمارة طويلة قبل تسجيله، فكان يطلب من السود أن يعيدوا هذه العملية عدة مرات بتواريخ مختلفة قبل أن يتم تسجيلهم. كل ذلك يفسّر كيف أنه، في سنة 1954، من أصل 30 ألف أسود راشد في دائرة مونتغومري، لم يكن مسجَّلاً سوى حوالي ألفين على اللوائح الانتخابية، وهذا بدوره يفسر كيف أنه لم يكن أسود واحد يشغل وظيفة عامة في مونتغومري.

ج – مواجهة مارتن لوثر كينغ للظلم العنصري

اهتم مارتن لوثر كينغ بتلك المشكلة. فألّف لجنة في رعيته سمّاها “لجنة العمل الاجتماعي والسياسي”، مهمتها إطلاع الرعية على التطور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في المحيط الذي تعيش فيه، وتوعية أبناء الرعية إلى ضرورة التسجيل على اللوائح الانتخابية والى أهمية مساندة “الاتحاد الوطني للدفاع عن غير البيض” (NAACP) الذي كان له فرع محلّي في مونتغومري – كما أن تلك اللجنة كانت تنظّم، في فترات الانتخابات، جمعيات عمومية تناقَش فيها قضايا الساعة. أصدرت تلك اللجنة نشرة أسبوعية كانت تُوزَّع على كل أبناء الرعية بقصد توعيتهم حول القضايا الاجتماعية والسياسية الكبرى، كما أنها أنشأت مركزاً لتدريب السود غير المسجَّلين في اللوائح الانتخابية على تخطي العقبات المنصوبة أمامهم. وقد حققت اللجنة بسرعة نتائج ملموسة وتسجّل بفضلها عدد كبير من السود في اللوائح الانتخابية.

د– مأساة عايشها

إنتسب مارتن لوثر كينغ إلى الفرع المحلّي للـ NAACP وساهم مساهمة فعّالة في نشاطه، وسرعان ما انتخب عضواً في لجنته التنفيذية. هكذا شارك في نضال المنظمة ضد الظلم العنصري، خاصة على صعيد القضاء.

ومن المآسي التي عايشها في هذا المجال، مأساة شاب أسود اسمه إرميا ريفز عمره 16 سنة، عازف في فرقة جاز، ألقي القبض عليه بتهمة اغتصاب فتاة بيضاء. بعد توقيفه أخذه أحد القضاة إلى غرفة الإعدام وهدّده بالكرسي الكهربائي إن لم يعترف بالحال. فاعترف تحت وطأة هذا التهديد، ولكنه عاد فيما بعد عن اعترافه ولبث طيلة السنوات السبع التي بقيت فيها قضيته قيد المحاكمة مصراً على إنكاره. تولت منظمة الـ NAACP مهمة توكيل محامين للدفاع عن ريفز ودفعت كل نفقات المحاكمة. وحُكم على ريفز بالإعدام، فاستُئنِفَت الدعوى عدة مرات أمام محاكم آلاباما ومرتين أمام المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي نقضت الحكم في المرة الأولى ثم أعلنت عدم صلاحيتها في المرة الثانية مما سمح بتنفيذ الحكم، فأعدم ريفز على الكرسي الكهربائي في 28 آذار 1958. ومما يظهر التحيّز السافر الذي كانت تبديه محاكم الجنوب، أنه، في تلك السنوات عينها التي قضاها هذا الشاب في السجن منتظراً الموت، أتُهِمَ عدة بيض في الولاية نفسها بمحاولة اغتصاب نساء من السود، فكان يُلقى القبض عليهم في ما ندر، وإذا كان أن أوقفوا كان يُطلق سراحهم قبل المحاكمة.

هـ– انتماؤه إلى مؤسّسة تجمع بيضاً وسوداً

في الوقت نفسه الذي انتسب فيه كينغ إلى “الاتحاد الوطني للدفاع عن غير البيض” – وكان مؤلفاً في مونتغومري من السود فقط – انتسب أيضاً إلى جماعة أخرى، كانت تتفرد بكونها تجمع بيضاً وسوداً في مؤسسة واحدة، ألا وهي “مجلس ألاباما للعلاقات الإنسانية”. كان المبدأ الأساسي لهذا المجلس هو التالي، “خُلق البشر كلّهم متساوين أمام الله، هذا يعني، على صعيد حياتنا الوطنية، أن كلاً منهم له الحقّ أن يتمتع بنفس الفرص التي يتمتع بها الآخرون للمشاركة في حياة أمتنا. ولا يجوز لأي فرد أو جماعة أن يحدّ من هذا الحق.”

كان يرأس هذا المجلس قسّ أبيض شاب نُقل في ما بعد إلى قرية صغيرة نائية لأن رعيته شكت من نضاله ضد التمييز العنصري. كانت خطة المجلس في هذا النضال، اعتماد الطرق التربوية من توعية وإقامة اتصالات بين العنصرين الأبيض والأسود بغية المساعدة على تخطّي الجهل الذي ينشئ الخوف وبالتالي الكراهية.

و- إيمانه بفاعلية الجمع بين التربية والتشريع: ساهم كينغ في هذا المجلس وانتخب نائب رئيس له. وقد تعجب الكثيرون من انتمائه بآن واحد إلى مؤسستين تعملان بموجب أساليب مختلفة. ففي حين أن “مجلس آلاباما للعلاقات الإنسانية” كان يعتمد بشكل رئيسي الوسائل التربوية، من أجل إزالة التمييز العنصري، كان “الاتحاد الوطني للدفاع عن غير البيض” يعمل بنوع خاص على صعيد القانون والتشريع. ولكن كينغ لم يجد عجباً في هذا الانتماء المزدوج وقد أوضح موقفه كما يلي:

“كنت مقتنعاً أن وجهتَي النظر متكاملتان وأن كليهما لا يُستغنى عنهما. فالطريقة الأولى من شأنها أن تغيّر مواقف الأفراد، أما الثانية فهي حريّة بأن تضع حداً للمظالم. فبالتربية، كنا نبغي تغيير المشاعر (من تصوّرات مسبقة وحقد وغير ذلك …). أما بالعمل التشريعي والقانوني، فكنا نريد أن نمارس رقابة على النتائج الخارجية لتلك المشاعر. الطريقة الأولى كانت كفيلة بان تساعدنا على هدم الحواجز الروحية التي كانت لا تزال تعترض الدمج العنصري. أما الطريقة الثانية، فكان يُنتظَر منها أن تساعدنا على هدم الحواجز عينها على الصعيد المادّي”. (ص 31).

ز– عوائق داخلية كانت تواجهها جماعة السود

هذا وقد اكتشف كينغ شيئاً فشيئاً ثغرات في الجماعة السوداء كانت تحول دون كل تقدّم اجتماعي لهذه الفئة المحرومة، ألا وهي:

– انقسام الجماعة إلى جمعيات عديدة غير متعاونة.

– لا مبالاة المثقفين. صحيح أن بعضاً من هؤلاء كانوا في طليعة النضال، إلا أن أغلبيتهم كانوا قابلين ضمناً بالوضع الراهن ولا يشاركون في أية حركة لتغييره. تلك السلبيّة كانت تعود، من جهة، إلى خوف المثقَّفين على مراكزهم، ومن جهة ثانية إلى الخمول الذي كان يؤدي إلى إحجامهم حتى عن ممارسة الحقوق المعترف لهم بها، كحقّ الانتخاب مثلاً.

– لا مبالاة رجال الدين السود. فقد كان بعضهم، وهم الأكثر حرارة واندفاعاً، يظهرون اهتماماً عميقاً بالقضايا الاجتماعية. ولكن كثيرين منهم كانوا يتجاهلون مسؤولياتهم في هذا الميدان، معتبرين أنه لا ينبغي للقسّ أن “يوسخ يديه” بقضايا أرضية دنيا كالتقدم الاقتصادي والاجتماعي، بل أن “يبشّر بالإنجيل” ويوّجه أفكار المؤمنين نحو “الحقائق السماوية”. ينتقد القسّ مارتن لوثر كينغ هذا المفهوم الضيّق، المبتور، للدين، قائلاً:

ك– خطأ إهمال البعد الاجتماعي للدين

“صحيح أن القيم الروحية لها أهمية رئيسية في كلّ دين جدير بهذا الاسم (…) فالدين، بأسمى أشكاله، يهتمّ ليس فقط بحاجات الإنسان البدائية، بل بعطشه إلى اللانهاية أيضاً، ذلك العطش الذي لا يمكن للإنسان أن يتهرّب منه. فإذا نسي الدين هذا الواجب الأساسي، تحوّل إلى مجرّد أخلاق، ولم يعد الله بالنسبة إليه سوى نتاج الخيال الإنساني، لا معنى له.

“إلا أن الدين، الأمين لدعوته، عليه أن يهتمّ أيضاً بظروف الوجود الإنساني. إنه يهتمّ بمصير الإنسانية الأرضي كما يهتمّ بمصيرها الروحي، يهتمّ بالزمن كما بالأبدية. إنه يعمل، إذا صحّ التعبير، لا على الصعيد العمودي وحسب، بل على الصعيد الأفقي أيضاً (…). إن كلّ دين يدّعي الاهتمام بالنفوس دون أن يهتمّ بالأكواخ القذرة التي تهلك فيها تلك النفوس، وبالبؤس الذي يخنقها، وبالوضع الاجتماعي الذي تذبل فيه، ليس سوى تحريف للدين. إنه بالضبط ما يراه الماركسيّون في كل دين: أفيون الشعب.” (ص 33-34).

ح– تسليم السود بالأوضاع الراهنة

ومن العقبات التي صادفها كينغ في الجماعة السوداء، رضوخ أكثريتها للأوضاع الراهنة. وقد روى له القس الذي سبقه في رعاية رعية شارع دكستر، وهو فرنون جونس، حادثة تشير إلى مدى هذا الخنوع. فقد صعد القسّ المذكور ذات يوم إلى أحد الباصات وجلس في أحد المقاعد الأمامية، المخصَّصة للبيض. فطلب منه السائق أن ينتقل إلى المؤخّرة، ولما رفض أمره بالنزول. فلم يستجب القس لهذا الأمر إلا بعد أن أعاد له السائق أجرة مقعده. وقبل أن ينزل، توجّه القس جونس نحو أخوته السود الذين شهدوا الحادث، سائلاً أن ينزل بعضهم معه للتعبير عن احتجاجهم. ولكن أحداً منهم لم يُجب. وعندما صادف القسّ بعد ذلك بقليل إحدى الراكبات من السود ولامها على عدم انضمامها إليه، أجابت أن الركاب السود الآخرين صرحوا بأنه، أي القسّ، “نال ما استحقه”.

ويحاول كينغ أن يُفسّر تلك السلبية الغريبة، فيجد لها سبباً في خوف السود من فقدان عملهم إذا هم احتجّوا على الجور العنصري. ولكن السبب العميق في نظره هو مركّب النقص الذي أوجده في نفوس السود نظام التمييز العنصري، حتى انهم فقدوا احترام أنفسهم وأصبحوا يشكّون بكرامتهم وحقوقهم. “تلك، يقول كينغ، هي مأساة التمييز العنصري. فإنه لا يُهدّم الأجساد وحسب، بل يُتلف الفكر والروح أيضاً ويحطّم الشخصية، إنه يكبّد ضحاياه شعوراً لا مبرّر له بأنهم أدنى من سواهم ويحمل الذين يمارسونه على الاعتقاد، دونما مبرّر، بأنهم أرقى” (ص 35).

ط– هذا الخمول قاومه البعض، إنما بنجاح نسبيّ

هذا الخمول العام، حاول أن ينفضه بعض الرجال السود، فبذلوا جهوداً موفقة لتوعية إخوانهم. يذكر الكاتب منهم القس فرنون جونس وكان واعظاً لامعاً يتصدّى لكل ظلم ويندّد بشدة، كلّ يوم أحد، بالجبن والمساومات التي كانت تبدر عن رعيته. وكثيرًا ما كان يوبّخ أبناء الرعية لكونهم كانوا يتبجّحون بألقابهم الجامعية في حين كان ينقصهم ما يُفرض في هذه الألقاب أن تمنحه لأصحابها. ألا وهو احترام الذات والشعور بالكرامة. مناضل آخر كان يُدعى أ.د. نيكسون. هذا كان حمّالاً في شركة بولمان ورئيساً للفرع المحلي للـ NAACP، وقد ساهم كثيراً في إنقاذ إخوته من خمولهم.

بفضل رجال من هذه النوعية، أخذت روح التمرّد على الظلم تنتشر شيئاً فشيئاً بين السود في مونتغومري، إلا أنها لم تكن قد أدّت بعد، في عام 1954، إلى نتائج ملموسة. بل كان الكلّ، سود وبيض، لا يزالون يقبلون بالتمييز العنصري على أنه أمر مفروغ منه وغير قابل للاعتراض. لذا أمكن القول بأن مونتغومري كانت في ذلك الحين مدينة هادئة. ولكنها كانت تدفع ثمن هذا الهدوء، استعباداً لقسم من سكانها. هنا يستطرد الكاتب ليروي كيف أن أحد البيض المتنفذين لامه لاحقاً لتعكيره هذا الهدوء، قائلاً له: “لمدة سنين طويلة، كانت علاقاتنا العنصرية هادئة منسجمة، لماذا أتيت لتغيّر مع أصدقائك ذلك الوضع التقليدي؟”.

ي– السلام الحقيقي والسلام الزائف

ويجدر بنا هنا أن نتوقف عند جواب كينغ لأنه يوضح المفهوم المسيحي للسلام. فقد قال لمعارضه:

“يا سيّدي، إنكم لم تعرفوا أبداً سلاماً حقيقياً في مونتغومري، لقد تمتعتم بنوع من “السلام السلبيّ” الذي كان مبنياً على قبول الأسود، في أغلب الأحوال، بوضعه المتدنّي. ولكن هذا ليس بالسلام الحقيقي. فالسلام ليس مجرّد غياب التوتّر، إنما هو حلول العدل. إن التوتر الذي نلاحظه اليوم في هذه المدينة إنما هو ذلك التوتر الضَروري الذي يبرز يوم يثور المظلومون ويندفعون لانتزاع سلام إيجابيّ ودائم!”

وأضاف كينغ بأن هذا هو معنى كلمات يسوع: “لم آتٍ لأجلب سلاماً بل سيفاً”. قال بأن “يسوع لم يقصد بالتأكيد سيفاً مادياً. إنما يبدو أنه أراد أن يعبّر عن الفكرة التالية: “لم آتِ لأجلب السلام بمعناه التقليديّ، السلام السلبيّ الذي قوامه سلبيّة مميتة. بالعكس، جئت أثور على هذا النوع من السلام. فحيثما أنا موجود، ينشب صراع بين الأشياء القديمة والأشياء الجديدة. حيثما أنا موجود، ينقسم العدل والظلم. لقد أتيت لأجلب سلاماً إيجابياً، قوامه حلول العدل والمحبة وما هو أفضل من ذلك حلول ملكوت الله.”

ويعلّق الكاتب قائلاً: “السلام الذي كان يسود في مونتغومري بين العنصرَين لم يكن له أي طابع مسيحي. لقد كان سلاماً وثنياً ذات ثمن باهظ”. (ص 38 – 39).

ق– التفريق العنصري في الباصات

كان في مونتغومري ميدان أصبح فيه هذا السلام الزائف مهدّداً منذ أمد طويل لأن الأسودَ كان يتذكّر فيه كلّ يوم فظاعة التفريق العنصري، ألا وهو ميدان الباصات التي كانت توفّر النقل في المدينة.

لم يكن لتلك الباصات سائقون سود. أما السائقون البيض فكثيرون منهم كانوا يتصرفون بشكل غير لائق مع ركابهم السود. فلم يكونوا يتورّعون من الإشارة إليهم بعبارات تحقيرية كـ “الأبقار السوداء” أو “القرود السود”. وكثيراً ما كان يتوجّب على السود أن يدفعوا الأجرة في الباب الأمامي ثم أن ينـزلوا ليصعدوا من جديد من الباب الخلفيّ، وكثيراً ما كان الباص ينطلق في فترة انتقالهم من باب إلى باب قبل أن يتسنى للأسود أن يصعد إليه، مع انه قد دفع أجرة مقعده.

وكانت الصفوف الأمامية الأربعة مخصصة للبيض ومسجّل عليها عبارة “للبيض فقط”. فإذا شَغَرَت اضطر السود أن يلبثوا واقفين إلى جانبها دون أن يُسمَح لهم بالجلوس عليها، حتى ولو كانت السيّارة تغصّ بالسود ولا تحوي واحداً من الركّاب البيض. هذا كان المبدأ، أما في التطبيق فكانوا يذهبون إلى أبعد من ذلك. فإذا حصل أن شَغَلَ الركّاب البيض المقاعد العشرة المخصَّصة لهم، وبعد ذلك صعد بيض آخرون في المحطات اللاحقة، كان يُطلب من السود الجالسين في المقاعد المسموح بها لهم أن يتخلّوا عنها لصالح البيض، بدءًا من تلك التي تلي مباشرة المقاعد المحجوزة أصلاً لهؤلاء. فإذا رفضوا أن يتركوها وينتقلوا إلى الخلف، كانوا يُعتقلون. ولكنهم، في أغلب الأحوال، كانوا يرضخون بصمت. إلا أن بعضهم كان يتمرّد من حين إلى حين، كما حصل لفرنون جونس وسبق ذكره.

ل– بوادر التمرّد: كلوديت كولفين

بعد وصول كينغ ببضعة أشهر إلى مونتغومري، رفضت طالبة ثانوية، في الخامسة عشرة من عمرها، تدعى كلوديت كولفين، أن تترك مقعدها لأحد البيض، فأخرجتها الشرطة بالقوة من الباص وساقتها، موثوقة اليدين، إلى السجن حيث اعتُقِلَت. حيال هذا العمل المشين، حدثت ردّة فعل من السود وبدأت تبرز لديهم فكرة مقاطعة الباصات. تشكّل وفد منهم قابل مدير شركة النقل ورئيس الشرطة، للتفاوض معهما. فأبدى الرجلان أسفهما لما حدث ووعد مدير الشركة بتوجيه لوم للسائق، كما أن رئيس الشرطة وعد بإعادة النظر في قضية توزيع المقاعد. ولكن هذا الكلام كلّه ذهب أدراج الرياح: فلم يعدَّل شيء في النظام المرعي الإجراء، واستمرّت الإهانات اللاحقة بالسود كما قبل، لا بل أُدينت كلوديت كولفين وحُكم عليها بعقوبة مع وقف التنفيذ.

إلا أن شيئاً هاماً كان قد حصل، وهو أن الغضب الذي طالما كبته السود بدأ يظهر. وأخذ الخوف والخمول اللذان طالما بسطا ظلّهما على الجماعة السوداء يتقلّصان ليتركا المجال لذهنية جديدة قوامها الشجاعة والكرامة. كانت قضية كلوديت كولفين بمثابة إنذار للسلطات، وإذ لم تأخذه هذه على محمل الجدّ اضطرَّت في ما بعد أن تجابه مقاومة أشدّ بكثير، مقاومة شعب بأكمله إنبرى للدفاع عن كرامته السليبة.

4– التحدي الحاسم: قصة روزا باركس

أ– عندما طفح كيل روزا

انطلقـت هــذه المقاومـة ردّاً على حدث طفح به كيل الظلم حتى غدا لا يُطاق. ففي 1 كانون الأول 1955، صعدت خياطة سوداء، وهي السيّدة روزا باركس، إلى أحد الباصات عائدة إلى منزلها بعد يوم كامل من العمل قضته في أحد المحلات الكبرى في المدينة. كانت السيدة باركس مُتعَبَة بعد ساعات طويلة قضتها واقفة. فجلست في أول مقعد حرّ وراء الصفوف المخصصة للبيض. بعد ذلك بفترة وجيزة، أمرها السائق أن تنتقل إلى الوراء مع ثلاثة ركّاب سود آخرين ليخلوا مقاعدهم لركّاب بيض. آنذاك لم يبقى في الباص أي مقعد شاغر، مما يعني أن السيدة باركس كان عليها، لو رضخت للأمر، أن تبقى واقفة بينما يحتّل رجل أبيض مقعدها. نفّذ السود الثلاثة الآخرون الأمر فوراً. أما السيدة باركس فرفضت بهدوء. بناء عليه اعتُقِلَت.

ومع أن السيدة باركس كانت أمينة سرّ الفرع المحلّي للـ NAACP، فلم يكن سلوكها هذا حادثاً مفتعلاً لإشاعة الفتنة، كما ادّعى كثيرون من البيض. كلّ ما في الأمر أنه قد تجسّدت فيها، في تلك اللحظة الحرجة، تلك الحاجة إلى الحرية والكرامة، المكبوتة لدى السود طيلة أجيال من القهر، فأتى موقفها الشجاع تعبيراً عن كون الذلّ المتراكم جيلاً بعد جيل أضحى لا يطاق.

ب– صدى اعتقال روزا باركس

انتشر خبر اعتقال السيدة باركس في صفوف بعض السيدات وأكثرهن أعضاء في المجلس السياسي النسائي. فقررّن أن يقاطع السود الباصات واتصلن بنيكسون الآنف الذكر، الذي وافق على الفكرة وقبل بجرأته المعروفة أن يأخذ على عاتقه مسؤولية تنفيذها.

وفي الغد اتصل نيسكون هاتفياً بكينغ، كما اتصل بقس معمداني شاب آخر، وهو رالف أبرناتي (الذي صار خليفة لكينغ بعد استشهاده: ك.ب.) واتفق الثلاثة معاً على دعوة كل القسوس والمسؤولين عن الجمعيات الاجتماعية إلى اجتماع يعقد مساء اليوم نفسه للبحث في مشروع المقاطعة. وتقرر أن يعقد الاجتماع في الكنيسة التي يرئسها كينغ، وبدأ الاتصال بالمدعوّين إليه.

في تلك الأثناء كان خبر اعتقال السيدة باركس قد انتشر في المدينة بسرعة البرق. في المساء وُزعت مناشير استنسخها فريق من المتحمسين، تعلّق على الاعتقال وتوصي بمقاطعة الباصات.

ج– الإجماع على مقاطعة الباصات

وعندما حان موعد الاجتماع، وجد كينغ أن كلّ المدعوين تقريباً قد لبَّوا الدعوة. فقد اجتمع أكثر من أربعين شخصاً يمثلون فئات الجماعة السوداء وكل منظماتها، وكان بينهم أطباء ومدرسون ومحامون ورجال أعمال وقادة نقابيون ورجال دين. وقد سُرّ كينغ لإقبال القسس على هذا الاجتماع بكثرة مع أنهم كانوا عادة قليلي المشاركة في الاجتماعات التي كانت تعقد للدفاع عن الحقوق المدنية للسود.

بعد المناقشة، حصل إجماع على القيام بمقاطعة للباصات تدوم أربعة وعشرين ساعة على الأقل، وذلك يوم الاثنين في 5 كانون الأول، على أن يبحث في احتمال تمديدها في اجتماع لاحق يعقد عشية اليوم ذاته. تحمس القسس للمشروع ووعدوا بأن يحثوا رعاياهم، صباح الأحد، على تبنيه.

وتشكلت لجنة لإعداد منشور يُوزّع يوم السبت، وكان كينغ عضواً فيها، فوضعت النص التالي:”لا تستقلّوا الباص يوم الاثنين في 5 كانون الأول. سواء للذهاب إلى العمل أو إلى المدينة أو إلى المدرسة أو إلى أي مكان آخر. فإن امرأة سوداء مثلكم، قد اعتقلت وسجنت لأنها رفضت أن تتخلى عن مقعدها.

“لا تستخدموا الباصات يوم الاثنين مهما كانت الحجة. فإذا كنتم تعملون، استقلّوا تاكسي، أو تنقلوا بواسطة الأوتوستوب، أو سيروا على الأقدام.

“احضروا الاجتماع الكبير الذي سوف يُعقد عند السابعة مساءً في كنيسة شارع هولت المعمدانية. هناك تُعطى لكم تعليمات جديدة.”

وبدأ حالاً استنساخ المنشور على آلة الرعية.

تقرر أيضاً في الاجتماع أن يطلب من شركات التاكسي السوداء، وكان عددها 18 وتملك حوالي 210 سيارة، أن تنقل الركاب يوم المقاطعة بتعرفة مخفَّضة لتعادل تعريفة الباص. وكلّفت لجنة للاتصال بتلك الشركات.

وفي الغد أنهي استنساخ المنشور بسبعة آلاف نسخة، وأقبل جيش من النساء والشباب لاستلامه وتوزيعه.

في اليوم نفسه قامت لجنة التاكسيات بمهمتها وحصلت على موافقة الشركات على تخفيض أسعارها لتعادل أسعار الباصات يوم المقاطعة.

د– اقتناع مارتن لوثر كينغ بصوابية المقاطعة

مساء الأحد قرأ كينغ مقالاً في إحدى الصحف عن مشروع المقاطعة الوشيكة، نُسبت فيه إلى السود مجاراة “مجلس المواطنين البيض” في أساليبه. وكان “مجلس المواطنين البيض” هذا، جمعية تأسست للحفاظ على التفريق العنصري بعد أن صدر قرار من المحكمة العليا بتحريم هذا التفريق في المدارس. وكانت هذه الجمعية العنصرية تستخدم لبلوغ مآربها شتى وسائل الضغط على السود ومن ساندهم من البيض، كالإرهاب والمقاطعة الاقتصادية، ولم تكن تتورع من اغتيال ضحاياها إذا تسنى لها ذلك. لذا فالمقارنة التي أقامتها الصحيفة المذكورة بين مشروع السود وأساليب تلك الجمعية العنصرية، حملت كينغ على التفكير في شرعية الوسيلة التي كان السود مزمعين على استعمالها.

تساءَل إذا كانت مقاطعة الباصات من قِبَل السود شبيهة بتلك المقاطعة الاقتصادية التي كان يستخدمها “مجلس المواطنين البيض” للضغط على السود ومعهم على البيض الحسني النية بحرمانهم من ضروريات الحياة وتجويعهم. فاتضح له أن هناك اختلافاً كبيراً بين الأسلوبين. فالعنصريون البيض كانوا يقصدون، من وراء مقاطعتهم، تخليد عهد الجور والعبودية وإبادة كل من تسوّل له نفسه التمرد عليهما. أما مقاطعة السود للباصات فكانت غايتها إحقاق العدل والحرية، ولم يكن يُستهدف منها دفع شركة الباصات إلى الإفلاس، إنما حملها على احترام العدالة.

تابع كينغ سياق تفكيره، فتبيّن له أن مقاطعة الباصات إنما كانت فقط تعبيراً عن رفض أكثر جذرية، ألا وهو رفض التعاون مع نظام فاسد كانت شركة الباصات مجرّد مظهر له. يقول كينغ: “سمعتُ في أعماق نفسي صوتاً يقول لي: “من يتقبّل الشرّ سلبياً مسؤول عنه بقدر من يرتكبه، من يرى الشرّ ولا يحتجّ عليه، هذا يساعد على صنع الشرّ”.”

ويتابع قائلاً: “إن الذين يتحمّلون الجور صامتين يقدمون للظالم تبريراً رخيصاً. فكثيراً ما لا يعي الظالم الشر الذي يسبّبه طالما يتحمّله المظلوم صامتاً. لذا فلا بد للبارّ، إذا شاء أن يطيع ضميره ويكون أميناً لله، أن يرفض كل تواطؤ مع نظام فاسد. تلك كانت، بالنسبة إليّ، طبيعة عملنا” (ص 52-53). لذا لم يعد يستعمل في ما بعد كلمة “مقاطعة”، لأنه أدرك أن حركة السود إنما كانت تتخطى في مرماها مجرد مقاطعة شركة نقليات، لتعبّر عن رفض شامل للتعاون مع نظام جائر.

تحدث كينغ مع زوجته في تلك الأمسية عن حظ المشروع بالنجاح، فاعتقدا أنه سيكون ناجحاً إذا استطاع أن ينال مساهمة ستين بالمائة من السود. ورقد تلك الليلة يتنازعه الأمل والقلق.

5– انطلاق المقاطعة ومواصلتها حتى انتصار العدل والكرامة

أ– اليوم الأول وقرار المواصلة

(في اليوم الأول من المقاطعة فوجئ القادة بتجاوب السود العارم معها وتملكهم الذهول أمام مشهد الباصات التي كانت تمرّ أمامهم فارغة في فترة الإقبال الشديد. يقول مارتن لوثر كينغ معبّراً عن انطباعاته صباح ذلك النهار: “جُننت من الفرح. فبدل نسبة 60% من المشاركة كنا نرجوها، أصبح من البديهي أننا بلغنا عملياً نسبة 100%. لقد حدثت المعجزة! الجماعة السوداء، التي كانت نائمة وبليدة حتى ذلك الحين، ها أنها استيقظت كلياً”. (ص 56).

في ذلك اليوم بالذات، تشكّلت هيئة لقيادة التحرّك، اتُفِقَ على تسميتها: “الهيئة العاملة لأجل تقدّم مونتغومري” (MIA) وانتخب مارتن لوثر كينغ رئيساً لها.

وفي المساء عُقدت الجمعية العمومية التي كان السود قد دُعوا إليها. وإذا بالكنسية التي اختيرت مكاناً للاجتماع مكتظة بالناس، وبقي من ثلاثة إلى أربعة آلاف منهم محتشدين خارجها لضيق المكان. بعد الصلاة والترنيم وقراءة الكتاب، خطب كينغ في الجمع وكانت تقاطعه المرة تلو الأخرى عاصفة من التصفيق. ذكّر بمنطلقات النضال وأوضح طبيعته المقدامة والمنضبطة بآن. وألحّ على ضرورة أن لا يُرغم أحد على المشاركة في المقاطعة بل أن يُترك ذلك لضميره. وأكّد على الروح الإنجيلية التي ينبغي أن تلهم النضال وأن ترفّعه عن المرارة والحقد، مستشهداً بعبارة لأحد كبار مفكّري السود: “لا تدع أحداً ينحدر بك إلى حدّ حملك على إبغاضه”.

بعد ذلك وافق الجمهور بالإجماع على متابعة المقاطعة إلى أن تتحقق الشروط التالية: 1) أن تُضمن المعاملة اللائقة للركّاب السود من قِبَل السائقين 2) أن يتاح لكافة الركّاب الجلوس في الحافلة حسب ترتيب وصولهم إليها، على أن يبدأ السود من المؤخرة ويتابعوا نحو الأمام، في حين أن البيض يتدرجون من الأمام إلى الوراء، 3) أن يعيّن سائقون سود في الخطوط التي ترتادها أكثرية من السود).

ب– جهد السود المضني وتدابير دعمه

(تواصلت المقاطعة بناء على هذا القرار الإجماعي. وبلغت المشاركة فيها في اليومين والنصف الأولين نسبة 99% وخاض السود عبرها، بتصميم منقطع النظير، نضالاً امتدّ على 381 يوماً، دون أن يفرغ صبرهم).

وكان لابدّ لهم من تنظيم أمورهم لكي يتسنى لهم أن يصمدوا كل تلك الفترة الطويلة. (خاصة وأن شركات التاكسي السوداء التي قدمت للتحرك في أيامه الأولى دعماً لا يستهان به من جراء قبولها بتخفيض أجورها، اضطرت إلى التراجع بعد أن تلقت إنذارًا من الشرطة بملاحقتها قانونياً إذا لم تتقيد بالتعرفة المقرّرة رسمياً).

كان العديد من السود يقطعون يومياً المسافة بين منزلهم ومكان عملهم ذهاباً وإياباً، مشياً على الأقدام، رغم البرد أو الحرّ، رغم الشمس أو الريح أو المطر، مما كان يفرض على بعضهم أن يسيروا على أقدامهم 18 كيلومتراً في اليوم الواحد. ولكن ذلك لم يكن كافياً وحده لحلّ المشكلة. من هنا أن الجماعة نظمت مصلحة للنقليات المجانية تسمح بالاستغناء عن الباصات. فتطوع مالكو حوالي 300 سيارة بوضعها تحت تصرّف إخوانهم بشكل جزئي أو كامل. وتقدم لقيادة هذه السيارات متطوعون من القسوس والمدرّسين ورجال الأعمال والعمّال وربّات المنازل. حتى أن بعض البيض تطوّعوا أيضاً لهذه المهمة. ونُظّمت عمليات التقاط الركّاب ذهاباً وإياباً تنظيماً دقيقاً رائعاً.

وكان المشروع محتاجاً إلى تمويل، فانهالت التبرعات من كل أنحاء البلاد ومن الخارج، إذ أن وسائل الإعلام كانت قد نشرت في كل المعمور خبر النضال اللاعنفي الذي يخوضه السود في مونتغومري. وقد وردت مساعدات من الكنائس والجمعيات والنقابات ومن العديد من الأفراد، من البيض والسود، من الأميركيين والأجانب. وكثيراً ما كانت ترافقها رسائل تعاطف وتشجيع.

ج– مقاومة المتضررين من المقاطعة

بالمقابل تضافرت جهود جميع المتضررين من ذلك النضال الشريف، فتعاونت السلطات المحلّية مع الشركة ومع العنصريين البيض لإجهاضه بشتى الوسائل. فكانت الشرطة تعتمد مختلف التدابير لمضايقة السائقين المتطوعين. كذلك حرّكت السلطات المحاكم لإدانة التحرك ومعاقبة المسؤولين عنه، ومنهم مارتن لوثر كينغ الذي حوكم وأدين كما أنه تعرض لسلسلة من التهديدات الخطيّة والهاتفية وشعر بأن حياته أصبحت بخطر. وفُجّرت قنبلة في مدخل منـزله كان بإمكانها أن تودي بحياة زوجته. ومن جهة أخرى سعت السلطات إلى تفريق السود بغية إفشال كفاحهم.

د– صمود المقهورين وقائدهم

ولكن هذه المحاولات كلّها، على تنوعها وضراوتها، باءت بالفشل أمام إيمان مارتن لوثر كينغ بالله وبعدالة قضيته، وأمام التفاف شعبه حوله وصموده في وجه المضايقات. لقد وعى هذا الشعب معنى النضال الذي كان يخوضه، لذا التزمه بتصميم. حتى أن الكثيرين من السود فضّلوا السير على الأقدام في حين أن سيارة كانت تحت تصرفهم. فالسير على الأقدام كان له في نظرهم قيمة رمزية، كان يعبّر عن مساهمتهم الشخصية المكلفة في عملية تحريرهم. ففي أحد الأيام، توقف أحد السائقين المتطوعين قرب سيدة مسنّة كانت تمشي بتعب ظاهر، وقال لها: “اصعدي إلى السيارة، يا جدة، لا تكلفي نفسك عناء السيرّ”، فأومأت إليه بأن يتابع طريقه وقالت: “أنا لا أمشي من أجل المتعة، أنا أمشي من أجل أولادي وأحفادي”. وتابعت الطريق إلى بيتها مشياً على الأقدام.

هـ – تحررهم من الخوف والعنف

ولم يتراجع المقهورون عن كفاحهم تحت ضغط التهديد والوعيد، فقد تحرروا بنضالهم من الخوف، وقد بلغ هذا التحرّر حدّ أنه، عندما قررت السلطات أن تعتقل مائة من المسؤولين عن التحرّك، عمد بعض هؤلاء تلقائياً إلى تسليم أنفسهم، في حين أن بعض السود قصدوا مراكز الشرطة للغاية نفسها ولما لم يجدوا أسماءَهم على لوائح المعَدّين للاعتقال عبّروا عن خيبتهم. كذلك عرف السود أن يصمدوا أمام تجربة العنف التي راودتهم تكراراً حيال تحديات البيض لهم. فقد تجمعت جماهيرهم أمام منزل مارتن لوثر كينغ بعد الاعتداء بالقنبلة عليه، وكان بعضهم مسلحين ومستعدين لاستعمال أسلحتهم حتى أن ممثلي السلطة خافوا العواقب ولكن كينغ خاطب الجمع وذكّرهم بالروح الإنجيلية التي يستلهمها نضالهم واستطاع أن يحوّلهم عن الأنقياد إلى العنف الذي استُدرجوا إليه.

و– تصعيد النضال حتى انتصار الحق

وفي الوقت الذي كان فيه السود ينفذون مقاطعتهم للباصات، كانوا يتفاوضون مع الشرطة على أساس مطالب ثلاثة في غاية الاعتدال (سبق أن رأيناهم ينطلقون منها) ألا وهي ضمان احترام السود في المعاملة، تعيين سائقين سود في الخطوط التي ترتادها أغلبية منهم، تلطيف التمييز العنصري في توزيع المقاعد دون إلغائه. ولكن المفاوضات فشلت بسبب التعنّت العنصري الذي أبدته الشركة. فاستمرت المقاطعة ودفعت بالشركة إلى شفير الإفلاس. ومن جهة أخرى، ففي مواجهة تعنّت الخصوم وما جوبهت به المقاطعة من محاولات شرسة لإجهاضها، صعّد قادة النضال مطالبهم، فرفعوا دعوى أمام محكمة فدرالية طالبوا فيها (هذه المرة) بإلغاء التمييز العنصري في الباصات على أنه مخالف للدستور. وقد ربحوا الدعوى في 4 حزيران 1956. ولكن سلطات مونتغومري استأنفت القضية أمام المحكمة العليا للولايات المتحدة. فأيّدت هذه، في 13 تشرين الثاني 1956، الحكم الصادر عن المحكمة الفدرالية، وتبلّغت السلطات في مونتغومري نص هذا الحكم في 20 كانون الأول من تلك السنة، فاضطرت إلى الرضوخ والى إلغاء التمييز العنصري في الباصات. وقد نُفذ فعلاً هذا الإلغاء وأصبح ساري المفعول، رغم كل محاولات المتطرفين البيض لنسفه بأعمال العنف التي اقترفوها والتي واجهها السود بضبط النفس بفضل تدريب صارم ومحكم تلقوه بهذا الشأن.

عنوان المقال الأصلي: “انطلاق نضال مارتن لوثر كينغ اللاعنفيّ في ذكراه الخمسين (1955-2005).. مقاطعة باصات مونتغومري بغية إزالة التفريق العنصري فيها”، وقد كُتب بتاريخ 2/11/2005، في الذكرى الخمسين لتلك الصفحة الإنسانية المشرقة؛وهو مقتبس عن كتاب:Martin Luther King, Combats pour la liberté (Stride Toward Freedom, New York, 1958) Traduit de l’américain par L. Jospin et A. Pidoux, (Petite Bibliothèque Payot, Paris, 1968)

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s