ثقافة القطيع بقلم : أحمد منصور

أحمد منصور
هؤلاء جعلوا همهم أن يهزموا الجزائر في كرة قدم لا أن يهزموا الفقر الذي يزحف على من بقي من الـ90 % من الشعب التي لا تستفيد من الوفرة المالية التي تصب في جيوب 10 % فقط
كنت مستغرقا في قراءة تقرير معمق عن أوضاع مصر الاقتصادية، كتبه جاك شنكر في صحيفة «الجارديان» البريطانية ونشرته صحيفة «الشروق» المصرية يوم السبت 14 نوفمبر، حينما ترامت إلى مسامعي، حيث كنت في القاهرة، أصوات صاخبة لصراخ وهتافات وأبواق سيارات وإطلاق ألعاب نارية تشير إلى أن الفريق المصري لكرة القدم، الذي كان يلعب مع فريق الجزائر في ذلك الوقت، قد أحرز هدفا في مرمي الفريق الجزائري ضمِن من خلاله مباراة أخرى فاصلة في السوادان. وأذكر أني، في ذلك اليوم الذي وصلت قبله بيوم واحد إلى القاهرة، حينما كنت أمارس رياضة المشي في الصباح الباكر حول إحدى حدائق القاهرة القليلة الباقية من زمن مصر الجميل، رأيت من بعيد رجلا يبدو حسن الهندام يبحث في أحد صناديق الزبالة التي تتواجد حول الحديقة، وقد أصبح مألوفا في القاهرة بشكل كبير أن تجد من يبحث عن شيء في صناديق الزبالة، ولكن ليس حسن الهندام كما رأيت. وحينما اقتربت كان الرجل، الذي كان يلتفت بحذر حوله وكأن الأمر جديد عليه أو يخشي أن يراه أحد يعرفه، يفرغ الأكياس من محتوياتها بسرعة ويبحث عن أي شيء نافع له فيها يضعه في كيس كان يحمله. ورغم أني أغض الطرف عادة إذا رأيت ما يسبب الحرج، فإن حسن هندام الرجل مع ما يقوم به أثارا فضولي وأخذت أبطئ الخطى لأعرف ما الذي يبحث عنه الرجل في صندوق الزبالة. عجبت لما رأيته يضع في كيس البلاستيك الذي كان يحمله زجاجات مياه شرب بلاستيكية فارغة كما وجدته مشغولا بالبحث في علبة دواء فارغة ربما وجد بقايا دواء فيها، حيث كان يقرأ ما عليها، ولاحظت أنه كان يفتح أكياس الزبالة التي في الصندوق ويفرغها بسرعة ثم يمد يده بخفة إلى شيء ما، يفتحه وإما يضعه في كيس البلاستيك أو يلقيه مرة أخرى في الصندوق. لاحظ الرجل أني أراقبه فبدا عليه الحرج وأعطاني ظهره بعدما نظر إلي نظرة ربما بها ألم أو حسرة أو لوم، لكن المشهد برمته ألقى في نفسي ألما شديدا بعد أن أصبح حسنو الهندام يبحثون في أكياس الزبالة في مصر عن شيء، أي شيء، فأدركت أن الأمر قد وصل إلى درك خطير.
من جانب آخر، فإني أذكر أني لم أفلح في ذلك اليوم في قضاء كثير من المصالح التي سعيت إلى قضائها، حيث كان الجميع في مصر مشغولا بمباراة كرة القدم بين مصر والجزائر. والرياضة شيء محبب ومهم لدى الشعوب، لكني شعرت بأن الأمر قد تجاوز الرياضة ليصبح هو كل شيء في حياة المصريين، فقد خرج الناس من كل همومهم أو هربوا منها، بمفهوم أدق، وسعوا إلى الخروج من الإحباط الذي يعيشون فيه أو جعلتهم حكومتهم يعيشون فيه، ليكون كل هدفهم أن تفوز مصر على الجزائر في مباراة كرة قدم حتى تسترد مصر عزتها وكرامتها وريادتها وسيادتها كما يتوهم هؤلاء. كل هذا في بلد، كما يقول جاك شنكر، يصل فيه الحد الأدنى للراتب لنسبة عالية من الشعب إلى أربعة جنيهات إسترلينية في الشهر، ونسبة الفقر المدقع وصلت إلى 20 % من السكان، بينما 40 % لا تزيد مداخيلهم على دولار واحد شهريا، هؤلاء جعلوا كل همهم أن يهزموا الجزائر في مباراة كرة قدم لا أن يهزموا الفقر الذي يزحف على من بقي من نسبة الـ90 % من الشعب التي لا تستفيد من الوفرة المالية التي تصب في جيوب 10 % فقط من المحظوظين من أبناء النظام وحوارييه، وفي وقت لا يجد فيه القطيع أنابيب الغاز المنزلي لا يحظي ملاك مصانع الحديد والسماد الذين ينتمون إلى نسبة الـ10 % المحظوظة بأسعار مدعمة للغاز وحدهم بل إن الإسرائيليين الذين سفكوا دماء المصريين في أربع حروب، ولازالوا يسفكون دماء الجنود المصريين على الحدود من آن إلى آخر، يحظون بأسعار مدعمة للغاز المصري لا يحصل عليها أي من أبناء القطيع الذي اختزل الانتماء إلى الوطن والعطاء للوطن والجهاد من أجل بناء الوطن في مباراة كرة قدم ضد فريق بلد عربي ساهمت مصر، بل قامت بالدور الرئيس في تحريره واستقلاله قبل خمسين عاما.
لقد نجح النظام، الذي أفقر الشعب وأمرضه ودمر الإنسانية والآدمية فيه، في أن يختزل المواطنة والانتماء وحب مصر لدى المصريين في رفع الأعلام والتعصب لمباراة كرة قدم ضد بلد وشعب شقيق، واعتبر النصر فيها أكبر من الانتصار على إسرائيل وعلى الفقر والفساد والمرض الذي يفترس هذا القطيع. وهذا الأمر بهذا الشكل وهذه الطريقة يمثل واحدة من أعلى درجات الإفساد للمجتمع وللانتماء وللمواطنة، لأن ما يحدث ليس سوى عملية تفريغ لمصر من حاضرها ومن تاريخها ومن أزماتها التي سببها النظام الفاسد الذي يحكم، ودليل على أن هذا الشعب يريد أن يهرب من أزماته التي ليست أولاها أزمة تراكم الزبالة في شوارع العاصمة الكبرى أو أن صناديقها أصبحت مصدرا لطعام كثيرين أو تفشي الفساد والبطالة وري المحاصيل الزراعية بمياه المجاري واختلاط مياه المجاري بمياه الشرب وتفشي التيفود والأمراض القاتلة بين أبنائه.
لقد شعرت بهمّ وحزن شديدين على ما آل إليه مصير الشعب المصري وأنا أحد أبنائه، حينما وجدت المصريين يهربون من هموم وطنهم بهذه الطريقة، طريقة ثقافة القطيع، وشعرت إلى أي مدى نجح الحكام، الذين دمروا آدمية هذا الشعب على مدى العقود الستة الماضية، في أن يحولوا المبدعين من أبناء هذا الشعب إما إلى مهاجرين يفيدون العالم بما لديهم من علم وإبداع، وإما إلى محبطين في بلادهم يحاولون الحفاظ على ما تبقى من خيرية الأمة وعلمها وثقافتها، أما باقي الشعب فقد أصبح ملهاة وأداة للتسلية والفرجة. لقد تحولت حقيقة المواطنة والانتماء من بذل وعرق وبناء للأوطان إلى ثقافة رفع الأعلام في الشوارع والهتاف لفريق كرة قدم، بينما التخريب في كل مناحي الحياة في بلادهم يتم تحت أعينهم فيشاركون فيه أو يسكتون عن إيقاف المخربين.
أشعرني ما حدث في مصر في الرابع عشر من نوفمبر 2009 بأن كل المصلحين الذين يريدون أن ينهضوا بهذا الشعب إنما يحرثون في البحر، وأن هناك آمادا واسعة بين هذا الشعب وبين خروجه من هذا المستنقع الذي يعيش فيه 90 % من أبنائه وفقا لما ذكره جاك شنكر نقلا عن تقرير حكومي رسمي مصري هام، لم يعرف هذا الشعب شيئا عنه، أعدته هيئة الاستثمار التابعة للحكومة المصرية.
حتى لو فازت مصر في مباراتها مع الجزائر وشاركت في مباريات كأس العالم، وماذا لو فاز الفريق المصري بكأس العالم في كرة القدم بينما 90 % من الشعب المصري فقراء أو في طريقهم إلى الفقر والمرض، حسب التقارير الاقتصادية ومنها تقارير رسمية، ما هو العائد على هذا القطيع الذي يأكل الفقر والمرض في جسده بينما يستنفد كل طاقته ليس في القضاء على الفقر والمرض أو الذين سببوه وإنما في التصفيق والهتاف لفريق كرة قدم.
كانت أصوات أبواق السيارات تتعالى في الشوارع المحيطة بمنزلي وكذلك أصوات الهتافات بينما كنت أعيد قراءة ما كتبه جاك شنكر عن هؤلاء السكارى وأنا أدرك حجم السعادة الغامرة التي عمت نفوس ناهبي هذا الشعب ومصاصي دمائه بعد أن أوصلوه إلى هذا الحد من السفه والحيرة

والتفاهة والضياع، ثم استغرقت، مثل كثير ممن يحبون مصر ويعرفون معنى الانتماء إليها ومعنى المواطنة، في همّ عميق

جريدة الشبيبة

من هوا أحمد منصور

مذيع مصري الجنسية يعمل في قناة الجزيرة القطرية، من مواليد 16 يوليو 1962، يقدم برنامج بلا حدود وشاهد على العصر.

  • بكالوريوس آداب من جامعة المنصورة في مصر 1984.
  • مدير إدارة المطبوعات والنشر في دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع في مصر 1984-1987.
  • مراسل لشئون أفغانستان وآسيا الوسطى للعديد من الصحف والمجلات العربية في باكستان، وقام بتغطية الحرب الأفغانية 1987-1990.
  • مدير تحرير مجلة المجتمع الكويتية 1990-1997.
  • قام بتغطية الحرب في أفغانستان 1987- 1990.
  • قام بتغطية الحرب في البوسنة والهرسك 1994-1995.
  • قام بتغطية معركة الفلوجة الأولى في العراق 2004.
  • صدر له 16 كتابا منها (تحت وابل النيران في أفغانستان، تحت وابل النيران في سراييفو، النفوذ اليهودي في الإدارة الأميركية، قصة سقوط بغداد وغيرها).
  • قام بتحويل برنامج شاهد على العصر إلى كتاب مقروء حيث أعد سلسلة كتاب الجزيرة عن الذين شاركوا في برنامج شاهد على العصر وصدر منها كتاب “جيهان السادات .. شاهد على عصر السادات” و”الشيخ أحمد ياسين.. شاهد على عصر الانتفاضة” وغيرها.
  • كاتب مشارك في العديد من الصحف والمجلات العربية.
  • عضو نقابة الصحفيين المصرية، وجمعية الصحفيين البريطانية وصحفيون بلا حدود الفرنسية وجمعية الصحفيين الدولية.

مصدر ويكيبيديا، الموسوعة الحرة

بعد مقالات عن الموضوع

عمرو أديب رأس الفتنة الجزائرية ــ المصرية

الحرب الكروية لاتزال على أشدها بين الجزائريين والمصريين

مقاطعه الجزائر فنيا وسياسيا اقتصاديا والبقيه تاتى

مدير المخابرات المصرية يهاتف نظيره السوداني شاكرا له الإجراءات الأمنية

Egypt-Algeria World Cup anger turns violent in Cairo

Egypt threaten boycott after violence of Algeria tie

L’Egypte hors circuit pendant 2 ans?

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s